أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
271
العقد الفريد
فقال مروان : كم الأشهر ؟ قال : وفاء المائة يا أمير المؤمنين ، تبلغ فيها أعلى درجة وأسعد عاقبة في النصرة والتمكين . فأمر له بمائة ألف درهم . ثم تقدّم إليه ذو الرّمة متحانيا كبرة ، قد انحلّت عمامته منحدرة عن وجهه ، فوقف يسوّيها ، فقيل له : تقدّم . قال : إني أجلّ أمير المؤمنين أن أخطب بشرفه مادحا بلوثة عمامتي . فقال مروان : ما أملت أنه أبقت لنا منك ميّ ولا صيدح « 1 » في كلامك إمتاعا . قال : بلى واللّه يا أمير المؤمنين ؛ أرد منه قراحا ، والأحسن امتداحا ، ثم تقدّم فأنشد شعرا يقول فيه : فقلت لها سيري ، أمامك سيّد * تفرّع من مروان أو من محمّد فقال له : ما فعلت مي ؟ فقال : طويت غدائرها ببرد بلى * ومحا التّراب محاسن الخدّ فالتفت مروان إلى العباس بن الوليد ، فقال : أما ترى القوافي تنثال انثيالا ؟ يعطى بكل من سمّى من آبائي ألف دينار . قال ذو الرمة : لو علمت لبلغت به عبد شمس . المنصور وابن هرمة : الربيع حاجب المنصور قال : قلت يوما للمنصور : إن الشعراء ببابك وهم كثيرون ، طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم . فقال : اخرج إليهم فاقرأ عليهم السلام ، وقل لهم من مدحني منكم فلا يصفني بالأسد ، فإنما هو كلب من الكلاب ؛ ولا بالحيّة ، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب ؛ ولا بالجبل ، فإنما هو حجر أصم ؛ ولا بالبحر ، فإنما هو غطامط لجب « 2 » ؛ ومن ليس في شعره هذا فليدخل ؛ ومن كان في شعره فلينصرف . فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة ، فإنه قال له . أنا له يا ربيع ، فأدخلني . فأدخله ، فلما مثل بين يديه ، قال المنصور : يا ربيع ، قد علمت أنه لا
--> ( 1 ) ميّ : صاحبته ، وصيدح : ناقته . ( 2 ) غطامط لجب : عظيم الأمواج .